أحمد بن محمد القسطلاني

436

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ولم يخبره ، وقد كان موسى ، عليه السلام ، علم أنه لا يقبض حتى يخبر ، ولهذا لما أخبره في الثانية ، قال : الآن . ( فرجع ) ملك الموت ( إلى ربه فقال ) رب ( أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فردّ الله ) عز وجل ( عليه عينه ) ليعلم موسى إذا رأى صحة عينه أنه من عند الله ، ولأبي ذر : فيردّ الله ، بلفظ المضارع إليه عينه بالهمزة قبل اللام بدل العين ( وقال ) له : ( ارجع ) إلى موسى ( فقل له يضع يده يده على متن ثور ) بالمثناة الفوقية في الأولى ، وبالمثلثة في الثانية ، أي ظهر ثور ( فله بكل ما غطت به يده ، بكل شعرة سنة . قال ) موسى : ( أي رب ! ثم ماذا ) بعد هذه السنين ( قال ) الله تعالى : ( ثم ) يكون بعدها ( الموت . قال ) موسى : ( فالآن ) يكون الموت ، والآن اسم لزمان الحال ، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل ، واختار موسى الموت لما خيّر شوقًا إلى لقاء ربه كنبينا ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لما قال : الرفيق الأعلى ( فسأل الله ) موسى ( أن يدنيه ) أي : يقربه ( من الأرض المقدسة ) أي : المطهرة ، و : أن ، مصدرية في موضع نصب ، أي : سأل الله الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه ( رمية بحجر ) أي : دنوًا لو رمى رام حجرًا من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس . وكان موسى إذ ذاك في التيه ، ومعه بنو إسرائيل ، وكان أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة ، فامتنعوا فحرم الله عليهم دخولها أبدًا غير : يوشع وكالب ، وتيههم في القفار أربعين سنة في ستة فراسخ ، وهم ستمائة ألف مقاتل ، وكانوا يسيرون كل يوم جادًّين ، فإذا أمسوا في الموضع الذي اْرتحلوا عنه ، إلى أن أفناهم الموت ، ولم يدخل منهم الأرض المقدسة أحد ممن امتنع أوّلاً أن يدخلها إلا أولادهم مع يوشع ، ولما لم يتهيأ لموسى عليه الصلاة والسلام دخول الأرض المقدسة لغلبة الجبارين عليها ، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها ، طلب القرب منها ، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه " . وقيل : إنما طلب موسى الدنو لأن النبي يدفن حيث يموت ، وعورض بأن موسى ، عليه السلام ، قد نقل يوسف ، عليه السلام ، لما خرج من مصر . وأجيب : بأنه إنما نقله بوحي ، فتكون خصوصية له ، وإنما لم يسأل نفس بيت المقدس ، ليعمى قبره ، خوفًا من أن يعبده جهال ملته . قال ابن عباس : لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله . وقد اختلف في جواز نقل الميت ، ومذهب الشافعية : يحرم نقله من بلد إلى بلد آخر ليدفن فيه ، وإن لم يتغير لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله ، وتعريضه لهتك حرمته ، إلا أن يكون بقرب مكة ، أو المدينة ، أو بيت المقدس ، فيختار أن ينقل إليه لفضل الدفن فيها . والمعتبر في القرب مسافة لا يتغير فيها الميت قبل وصوله . قال الزركشي : ولا ينبغي التخصيص بالثلاثة ، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصلاح والخير ، فالحكم كذلك لأن الشخص يقصد الجار الحسن . اه - . وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة ، وقال وهب : خرج موسى لبعض حاجته ، فأمر برهط من الملائكة يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسن منه ، فقال لهم : لمن تحفرون هذا القبر ؟ قالوا : أتحب أن يكون لك ؟ قال : وددت . قالوا : فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك . قال : ففعل ، ثم تنفس أسهل تنفس ، فقبض الله روحه . ثم سوّت عليه الملائكة التراب . وقيل : إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة ، فشمها ، فقبض روحه . ( قال ) أبو هريرة : ( قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فلو كنت ثمّ ) بفتح المثلثة ، أي : هناك ( لأريتكم قبره إلى جانب الطريق ، عند الكثيب الأحمر ) بالمثلثة أي : الرمل المجتمع ، وهذا ليس صريحًا في الاعلام بقبره الشريف ، ومن ثم حصل الاختلاف فيه ، فقيل : بالتيه ، وقيل : بباب لنا ببيت المقدس ، أو بدمشق ، أو بواد بين بصرى والبلقاء ، أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس ، أو بأريحا ، وهي من الأرض المقدسة . وفي هذا الحديث : التحديث والإخبار والعنعنة ، وشيخ المؤلّف مروزي ، ومعمر بصري ، وأخرجه مسلم في : أحاديث الأنبياء ، كالمؤلّف مرفوعًا ، والنسائي في : الجنائز ، وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في : أحاديث الأنبياء . 70 - باب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ . وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - لَيْلاً ( باب ) جواز ( الدفن بالليل ) وبه قال الشافعي ، ومالك ، وأحمد ، والجمهور . وكرهه : قتادة ، والحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ، وأحمد في رواية عنه . ( ودفن ) بضم الدال مبنيًّا